الشيخ محمد رشيد رضا

302

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

الموافق للحكمة . وانه لا يقدر عليه غيره - فالذين يؤمنون بالرب ولا يؤمنون بكتبه ورسله . يجهلون قدر ربوبيته وكنه حكمته ورحمته . وقيل إن المراد بالآيات هنا الدلائل الكونية الثابتة ، وهو ضعيف فان هذه لا يكاد يعبر عنها بالاتيان ، لأنها ماثلة دائما للبصائر والابصار ، وانما يعبر بالاتيان عن آيات الوحي التي تتجدد وعما يتجدد مثلها من المعجزات ، ومصداق الاخبار بالغيب ، كالاخبار بنصر الرسل وخذلان أقوامهم وآيات الساعة . مثال ذلك آيتا الأنبياء والشعراء المشار اليهما آنفا وقوله تعالى ( أَ وَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّناتِ * وَقالُوا مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنا بِها * أَ فَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غاشِيَةٌ مِنْ عَذابِ اللَّهِ ) * * * ولما بين أن شأنهم الاعراض عن الآيات المنزلة وسائر ما يؤيد اللّه به رسله رتب عليه قوله فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ أي فبسبب ذلك الشأن الكلي العام - وهو استمرارهم على الاعراض عن النظر في الآيات - قد كذبوا بالحق الذي جاءهم لما جاءهم فلم يتريّثوا ولم يتأملوا ، وانما كذبوا ما جهلوا ، وما جهلوا الا لأنهم سدوا على أنفسهم مسالك العلم ، وهذا الحق الذي كذبوا به هو دين اللّه الذي جاءهم به خاتم رسله ( ص ) من العقائد والعبادات والآداب ، وأحكام الحلال والحرام والمعاملات ، وقد دعاهم أولا بمثل هذه السورة إلى كلياته مجملة ثم مفصلة ، وانما كان يكون التفصيل بقدر الحاجة ، إلى أن تم الدين كله فأكمل اللّه به النعمة . والحق في أصل اللغة الموافقة والمطابقة كما قال الراغب ، أو الامر الثابت المتحقق بنفسه ، فهو كلي له جزئيات كثيرة ، وكلما اطلق في مقام يعرف المراد منه بالقرائن اللفظية أو المعنوية ، وقد أطلق في القرآن بمعناه اللغوي المطلق وعلى البارئ تعالى وعلى القرآن وعلى الدين ، وذكر الدين مضافا إلى الحق إضافة بيانية كقوله تعالى ( هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ ) * وقوله ( وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ ) وأطلق بمعاني أخرى تفهم من السياق في كل موضع . - فالأظهر عندنا ان المراد بالحق هنا الدين المبين في القرآن ، وروي عن قتادة تفسيره بالقرآن هنا وفي مثله من سورة ( ق ) ولا فرق بينه وبين ما قبله في المعنى ، فان تكذيبهم بالدين الذي نزل به القرآن هو عين التكذيب بالقرآن الذي نزل بهذا الدين ، ولكن الأظهر في توجيه اللفظ والتناسب